وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ يرى سماحة آية الله السيد علي الخامنئي أن العرفان الإسلامي الأصيل هو باطن الدين وعمقه، وليس مذهبًا مستقلاً أو منظومةً تقوم على أصول وتعاليم مغايرة لتعاليم الإسلام. فهذا العرفان يتمحور حول التوحيد، والتوحيد ذو أبعاد معرفية ووجدانية وعملية واسعة.
1 ـ الفكر العرفاني للإمام الشهيد
فعلى المستوى المعرفي، يتمثل التوحيد فيما عرضه القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، وتبعًا لذلك ما بُسط في تراثنا الكلامي والفلسفي والعرفاني. وهو يقابل الشرك، ويتضمن مراتب التوحيد الذاتي، والصفاتي، والأفعالي، والعبادي. وأما في البُعد الوجداني والعاطفي، فإن التوحيد يقتضي محبة الله والتعلق به، ودوام ذكره، والخوف والخشية منه، والتوكل عليه، والتسليم لأمره، والرضا بقضائه. وفي بُعده العملي، يقتضي عبادة الله وحده وطاعته، ورفض الشياطين والطواغيت ومجاهدتهم.
ومن اللوازم الاجتماعية للتوحيد هي إقامة الحكومة الإلهية، وهي الحكومة التي تقوم على أساس الإرادة التشريعية لله تعالى، ويُعدّ إرساء العدل أبرز سماتها وأهم خصائصها.
وتتمثل رسالة الأنبياء(عليهم السلام) في الدعوة إلى التوحيد، والسعي إلى إقامة الحكومة الإلهية لتحقيق القسط، وتهيئة الأرضية لكمال الإنسان وسعادته المادية والروحية. والإمامة امتداد للنبوة، والإمام يتولى الهداية الروحية والقيادة السياسية والاجتماعية للأمة. ومن ثمّ، أفنى الأئمة المعصومون (عليهم السلام) أعمارهم في تعليم الدين للناس، وإرشادهم روحيًا، ومقارعة الظالمين سياسيًا. وهذه الرسالة نفسها يضطلع بها علماء الدين في عصر الغيبة. والإسلام، فضلًا عن كونه دين هداية وسعادة أخروية، هو دين اجتماعي يمتلك مشروعًا متكاملاً لإنقاذ الإنسان، وإقامة العدل، وتهيئة أسباب سعادته في الحياة.
والمثل الأعلى والقدوة في العرفان الحق هما الرسول الأعظم(ص) والأئمة الأطهار (عليهم السلام). فالسلوك العرفاني الأصيل إنما هو اتباع المعصومين والاقتداء بهم علمًا وعملاً. وما يحظى بالأهمية في العرفان هو السير والسلوك والتربية الروحية القائمة على التعاليم الإسلامية والاقتداء بالمعصومين. كما أن إرشادات علماء الدين والعرفاء الصادقين، الذين تخرّجوا في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، تؤدي دورًا بالغ الأهمية في التربية العرفانية.
أما العرفان النظري، بوصفه علمًا ومجالًا للتفكير، فقد يكون نافعًا، إلا أن السير والسلوك العرفاني لا يتوقفان عليه إلى حدٍّ كبير؛ فلا يمكن بمجرد الاشتغال بالعرفان النظري بلوغ المقامات العرفانية، كما أن الوصول إلى المراتب الروحية السامية ليس مشروطًا بدراسة مباحث العرفان النظري.
وقد انعكست كثير من المعارف العرفانية العميقة واللطيفة في أشعار كبار العرفاء الشعراء، كمولوي وحافظ. وقد وصف مولوي نفسه كتابه المثنوي بأنه «أصول أصول أصول الدين». وإن الأنس بهذا التراث الأدبي والعمل على نشره من شأنهما أن يساهما، بأسلوب رفيق ولطيف، في إشاعة الروحانية وتعميق حضورها في المجتمع.
ولا تمثل الطرق الصوفية، بوصفها فرقًا، العرفان الإسلامي الأصيل، إذ إن بعض معتقداتها وآدابها يبتعد عن التعاليم الإسلامية. كما أن بعض الطرق الصوفية التي تدّعي الانتساب إلى التشيع، وتحمل معتقدات مثارًا للجدل، وتسعى إلى إيجاد مرجعية موازية للمرجعية الدينية، تسير في طريق منحرف. ومع ذلك، فإن الطرق الصوفية المنتشرة في أرجاء العالم الإسلامي تمثل تيارًا إيجابيًا يستحق الدعم. وتبرز فيها ثلاث خصائص ذات أهمية خاصة: العناية بالبعد الروحي في الإسلام، ومحبة أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومناهضة التطرف السلفي المتحجر. ومن خلال هذه الطرق استطاع الإسلام أن ينتشر في مناطق واسعة من العالم، كإفريقيا وشرق آسيا، وأن يجذب قلوب كثير من الباحثين عن الحقيقة.
أما التيارات التي تُسمى بـ«العرفان الجديد» أو «شبه العرفان»، فلا تمت إلى العرفان بصلة، ولن تخلّف سوى الأخطار والخسائر. ومن ثمّ، ينبغي التصدي لانتشار هذه التيارات الزائفة والفاقدة للجذور بأساليب حكيمة ومدروسة.
وفي عصرنا الحاضر، تُعدّ المدرسة العرفانية في النجف، وأعلامها، أمثال الملا حسينقلي الهمداني، والشيخ مرتضى الكشميري، والسيد علي القاضي، والعلامة الطباطبائي، من أبرز الهداة إلى السلوك العرفاني الأصيل. كما أن مؤلفاتهم، وكلماتهم، ولا سيما رسائلهم السلوكية، تُعدّ من أهم المصادر في التربية العرفانية والارتقاء الروحي.
والعرفان الإسلامي المنشود هو الذي يجمع بين المعرفة والبصيرة، والسير والسلوك وتهذيب النفس، والجهاد، والعمل السياسي والاجتماعي الهادف إلى إصلاح الأفراد، وإحداث التحول في المجتمع، وإقامة القسط والعدل. ومن أوجه الضعف التي تُلاحظ عند بعض أعلام العرفان في تراثنا قلة الاهتمام بالبعد الاجتماعي للإسلام. ولذلك ينبغي إيلاء هذا البعد مزيدًا من العناية، وإخراج العرفان من دائرة الخلوة الفردية الضيقة إلى ميدان العمل الاجتماعي والثوري الفاعل.
2 السلوك العرفاني للإمام الشهيد
لكي ينخرط العالِم العارف في ميدان النشاط الاجتماعي القادر على إحداث التحول، لا يكفي أن يكون متعمقًا في المعارف الإسلامية، بل لا بدّ أن يكون على وعي بثقافة عصره ومعارفه، ومدركًا لتحدياته ومتطلباته، وأن يمتلك معرفة واسعة بهذه المجالات.
ويمثل الإمام الشهيد نموذجًا بارزًا ومتكاملًا للعالم والعارف الشيعي؛ فقد اجتمعت في شخصيته وسيرته عناصر العلم والبصيرة، والزهد والطهارة، والكفاح والجهاد. وقد تجلت هذه الخصال فيه منذ مطلع شبابه. ويكشف كتابه «التصور العام للفكر الإسلامي في القرآن»، الذي أُلقيت مباحثه في أوائل عقد الخمسينيات من القرن الهجري الشمسي، عن هذه الرؤية بوضوح.
وقد لازم الزهد والتقوى والإعراض عن زخارف الدنيا حياته منذ أيام طلبه للعلم وحتى فترة قيادته، وهو ما يتجلى في بساطة معيشته وبعدها عن مظاهر الترف والتكلف. ومن الشواهد على ذلك أن أحد أصدقائه، السيد رباني الأملشي، لما قدم إلى مشهد وأقام في منزله عدة أيام، ظن أن صاحب المنزل قد نقل أثاثه إلى مكان آخر، فلما علم أن ما يراه هو جميع أثاث المنزل تعجب من غاية بساطته.
وإلى جانب جهوده العلمية والسياسية، ظل الإمام الشهيد يحمل همّ السير والسلوك وتهذيب النفس، وكان على صلة بأساتذة هذا الميدان من أمثال آيات الله العظام الإمام الخميني، والشيخ بهجت، والسيد بهاء الديني، يستمد من أنفاسهم القدسية ويستفيض من توجيهاتهم الروحية. وحين اعتقله جهاز السافاك في زاهدان، لم يكن يحمل معه ـ إلى جانب المصحف الشريف ـ سوى كتاب «تذكرة المتقين»، الذي يضم تعاليم سلوكية ورسائل عرفانية لأعلام المدرسة العرفانية في النجف. ويكشف ذلك عن المكانة المحورية التي احتلها السلوك الروحي في حياته.
ووفقًا لشهادات من عاصروه وشاركوه السجن، وما دوّنه هو نفسه في مذكراته، فقد كان يقضي لياليه وأيامه في معتقلات السافاك بالعبادة وتلاوة القرآن الكريم. يقول في هذا الصدد: «في ليالي شهر رمضان [في سجن السافاك] تهيأت لي فرصة للتلاوة والدعاء والذكر. وأذكر أنني في ليلة عيد الفطر صليت النافلة المعروفة بألف (قل هو الله أحد)، حيث تُقرأ سورة الإخلاص ألف مرة في الركعة الأولى بعد الحمد... وفي سجني الخامس كانت تتاح لي فرص كانت ذات فائدة عظيمة في تهذيب النفس، والتوجه إلى الله تعالى، والتدبر في آيات القرآن ومضامينه السامية.»
وتشهد الوثائق المعتبرة على نضاله الدؤوب وجهاده الذي لا يعرف الكلل، وما تعرض له من اعتقالات وسجون وتعذيب قاسٍ خلال عهد النظام الملكي المستبد. وقد كتب في مذكراته: «أثناء جلدي بالسياط، جاء أحد جلادي السافاك ووقف فوق رأسي، وكان يطالبني بأن أعلن البراءة من فلان أو من الحركة الإسلامية. فكنت أرفض، فيواصلون ضربي حتى فقدت الوعي.»
بل إن التعذيب النفسي كان في بعض الأحيان أشد إيلامًا من التعذيب الجسدي. ويقول: «كنت في هذا السجن أشاهد تعذيب عدد من تلامذتي المقربين... ومن بينهم السيد عباس موسوي القوچاني، الذي استشهد فيما بعد في الحرب المفروضة. وكان إذا عاد من غرفة التعذيب يطلق أنينًا يمزق القلب. لقد كانوا يعذبونه بطريقة وحشية لم أر لها مثيلًا؛ يأخذونه للتعذيب ثم يعيدونه، وبعد ساعة يعيدون اقتياده إلى غرفة التعذيب، ثم يعيدونه مرة أخرى، وحين يحين موعد النوم الليلي يستدعونه من جديد، بل كانوا يقتادونه حتى في منتصف الليل. وكنت أسمع صرخاته وأنينه ليلًا ونهارًا، وكان كل أنين منه يضرم النار في قلبي. لقد كان ما تعرض له من تعذيب صورة من أبشع صور الوحشية التي لا نظير لها.»
وكان الإمام الشهيد يواجه جلادي السافاك أثناء التحقيق بمنتهى الشجاعة، فيؤكد لهم مرارًا أن التعذيب والضغوط لن تجدي نفعًا، وأنه لا يخشى الموت، بل هو مستعد للشهادة. ويقول في وصف اعتقاله في زاهدان: «قلت لذلك الضابط: لقد اعتقلوني من قبل في بيرجند، واقتادوني إلى رئيس الشرطة، وسأكرر عليك اليوم ما قلته له آنذاك. قلت له: أنتم مأمورون، وأنا أيضًا مأمور. أنا مكلف بأداء رسالتي الدينية، وأنتم تؤدون ما ترونه من واجبكم. وليس في وسعكم أن تفعلوا بي أكثر من قتلي، وأنا قد هيأت نفسي لذلك؛ فبأي شيء تريدون أن تخيفوني؟»
وهل يستطيع شاب أعزل، واقع في قبضة عدو جبار، أن يقف هذا الموقف لولا ما امتلكه من معرفة عميقة، ويقين راسخ، ومحبة لله تعالى، وتهذيب للنفس، وزهد في الدنيا؟ لا ريب أنه لو تأخر انتصار الثورة الإسلامية قليلًا، لما استطاع جهاز السافاك أن يحتمل وجود مناضل جسور وروح ثائرة كهذه، ولانتهى به الأمر شهيدًا تحت سياط التعذيب. وكما لم يكن وجوده مقبولًا لدى أعداء الثورة قبل انتصارها، فإنه ظل بعد انتصارها أيضًا هدفًا لهم، حتى أوصلوه إلى مشارف الشهادة.
ذلك هو العرفان الحق والجهاد الصادق؛ أما الاتكاء في بيت آمن مريح، والانشغال بالأذكار والنوافل بعيدًا عن ميادين التضحية والمواجهة، فليس بالأمر العسير.
لقد أمضى الإمام الخامنئي عمره في تهذيب النفس، والسير والسلوك إلى الله، والجهاد في سبيله، وخدمة عباده، حتى ختم حياته بنيل أمنيته الكبرى، إذ فاز بالشهادة مع أفراد أسرته على يد أشقى أهل زمانه، فحظي بالفوز العظيم الذي طالما تطلع إليه.
طوبى له، ثم طوبى له
بقلم الکاتب والباحث الایراني "الدکتور محمد فنائي إشكِوَري"
.....................
انتهى / 323
تعليقك